الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
86
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الجمل وصفين ، وتعديل من أغضى عنهم كالثلاثة ، نظير أن يقول أحد إنّ المالك إذا لم يخف من الغاصب وادعى حقه . فالغاصب فاسق ، وان خاف منه وسكت ، فالغاصب عادل ، وتهديدهم له بالقتل يوم السقيفة ويوم الشوى ، ممّا اتّفق عليه التاريخ . وما ذكره من أنّ تقدّم الثلاثة عليه عليه السلام كان مصلحة للدين راجعة إلى المكلّفين ، أعجب من كل عجيب . هل مصلحة الدين في تبديل الشريعة ، والتسبب لإيجاد الفرق الضالّة والمذاهب الباطلة ، وشيوع البدع ، واذلال المؤمنين ، وإعزاز المنافقين واستئصال عترة سيّد المرسلين ، وإنّما كان في إملاء اللّه تعالى لهم حكمة ، وهي امتحان الامّة أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 1 ) . كما أنّ في قعوده عليه السلام وسكوته مصالح ، ومنها ما مر في خبر المدائني في قوله عليه السلام : « وأيم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ، ويبور الدين ، لكنّا لهم على غير ما كنّا لهم » ( 2 ) . وسأل الباقلّاني المفيد عن علّة سكوته فقال له : أولا : إنّ الامام المعصوم من الخطأ والزلل لا اعتراض عليه في قيامه وقعوده ، وثانيا : نعلم في الجملة أنّ قعوده لمصلحة أبين بعض وجوهها ، وهو أنهّ عليه السلام علم أنّ في المخالفين من يرجع عن الباطل إلى الحق بعد مدة فكان ترك قتله مصلحة ، ويمكن أن يكون اللّه علم أنّ في ظهورهم مؤمنين لا يجوز اجتياحهم فكان في ترك قتلهم مصلحة ، ويمكن أن يكون أنهّ شفقة منه على ولده وشيعته أن
--> ( 1 ) العنكبوت : 2 - 3 . ( 2 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 101 ، شرح الخطبة 22 .